شمس الدين السخاوي
16
السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم
وفي حديث المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار هذا ( 1 ) ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يفعل في مغازيه من هذا ما هو مشهور ( 2 ) ؛ فالإيثار بالحظوظ محمود غير مضاد لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « ابدأ بنفسكَ ثم بمن تعُولُ » ( 3 ) ، بل يحمل على الاستقامة في حالتين . فهؤلاء والذين قبلهم لم يقيدوا أنفسهم بالحظوظ العاجلة ، وما أخذوا
--> ( 1 ) أخرج البخاري في « صحيحه » في كتاب مناقب الأنصار ( باب إخاء النبي - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين والأنصار ) ( رقم 3782 ) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : « قالت الأنصار : اقسم بيننا وبينهم النخيل . قال : لا . قال : يكفوننا المئونة ، ويشركوننا في الثمر . قالوا : سمعنا وأطعنا » . وأخرج البخاري في « صحيحه » ( رقم 3781 ) ، في الكتاب والباب السابقين ، وفي ( باب كيف آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه ) من الكتاب نفسه ( رقم 3937 ) ، ومسلم في « صحيحه » في كتاب النكاح ( باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن . . . ) ( رقم 1427 ) ، وغيرهما من حديث أنس ؛ قال : « قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلني على السوق ؛ فربح شيئاً من إقط وسمن . . . » . ( 2 ) قلت : أكتفي هنا بذكر مثالٍ واحدٍ وقع في غزوة تبوك ؛ فقد أخرج مسلم في « صحيحه » في كتاب الإيمان ( باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً ) ( 1 / 55 - 56 رقم 27 ) بسنده إلى أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سير ، قال : فنفدت أزواد القوم ، قال : حتى همّ بنحر بعض حمائلهم ، قال : فقال عمر : يا رسول الله ! لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها ، قال : ففعل ، فجاء ذو البُرِّ ببُرِّه ، وذو التمر بتمره . قال : وقال مجاهد : وذو النواة بنواه . قلت : وما كانوا يصنعون بالنوى ؟ قال : كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء ، قال : فدعا عليها . قلت : حتى ملأ القوم أزودتهم ، قال : فقال عند ذلك : « أشهد أن لا إله إلا الله ، لا يلقى بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة » . وأخرجه أحمد في « مسنده » ( 3 / 11 ) ، وقد تكلم بعضهم في صحة هذا الحديث بكلامٍ متعقب . انظر : « شرح النووي على صحيح مسلم » ( 1 / 221 - 223 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري في « صحيحه » في كتاب الزكاة ( باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى ) ( 4 / 294 رقم 1427 ) ، ومسلم في « صحيحه » في كتاب الزكاة ( باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى ) ( 2 / 717 رقم 1034 ) عن حكيم بن حزام ، رفعه .